عبد الملك الجويني

164

نهاية المطلب في دراية المذهب

توبته ، وإن تكرر ذلك منه ، ولا ضبط في أعداد المرات . وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال : إنما تقبل التوبة في الكرة الأولى ، فإذا ارتد مرة أخرى ، لم تقبل توبته أصلاً . وهذا من هفواته الفاحشة ، ولا مبالاة بها . 11026 - ونحن نذكر بعد ذلك استتابةَ المرتد ، والتفصيلَ فيها . فنقول : الوجه مراجعتُه وعرضُ التوبة عليه ، وهل نمهله ثلاثة أيام لعله يتوب ؟ فعلى قولين : أحدهما - أنا لا نمهله ، وهو مذهب المزني ؛ فإنه محمول بالسيف على الإسلام ، وإسلامه يناقض هذا المعنى ، ولا حياة في لحظة في الإصرار على الردة . والقول الثاني - أنا نمهله ثلاثة أيام ، وهو فيها محبوس ، ولا نمنعه الشراب والطعام . ومعتمد هذا القول مذهب عمر رضي الله عنه ، روي أن رجلاً قدم عليه من الشام ، فقال له : هل من مَغْرَبَةِ خبرٍ ؟ ( 1 ) فقال : لا ، إلا إن نصرانياً أسلم ، ثم ارتد ، فقتله أبو موسى الأشعري . فرفع عمر يديه نحو السماء ، فقال : " اللهم إني أبرأ إليك مما فعل أبو موسى ، هلا حبستموه ( 2 ) في بيت ثلاثاً تلقون إليه كل يوم رغيفاً ، لعله يتوب " ؟ ( 3 ) ، ووجهه من جهة المعنى أنا نرجو عوده إلى الإسلام ، وهو أقرب إلى الصلاح من ابتدار قتله . ثم التقييد بالثلاث مأخوذ من قول عمر ، ثم هي مدة ثابت بها خيار الشرط ، ومال إلى التأقيت بها أقوال في مسائل : كإمهال تارك الصلاة ، وكالفسخ بسبب العتق تحت

--> ( 1 ) مغربة خبر : أي خبر جديد ، ثم هي بفتح الميم وسكون الغين وكسر الراء وفتحها مع الإضافة . وقال الرافعي : " شيوخ الموطأ فتحوا الغين وكسروا الراء وشدّدوها " . وهو في الموطأ كما قال ( 2 / 837 ) . ( 2 ) ت 4 : " خليتموه " . ( 3 ) أثر عمر رضي الله عنه رواه مالك في الموطأ ( 2 / 837 ) ، والشافعي ( ترتيب المسند : 2 / 87 ح 286 ) وعبد الرزاق في المصنف ( 18695 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 599 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 8 / 206 ) ، وفي المعرفة ( 5032 ) ، وانظر التلخيص : ( 4 / 94 2016 ) .